احتفاء الحرمين بموسم الحج

اعتادت بلاد الحرمين ارتداء بهيَّ حللها في المواسم الدينية المختلفة، وخصوصًا في موسم الحج المرتكز على استقبال الوفود على أراضيها وبين أهليلها، فكانت سُنّة أهلها منذ عرفت أرضهم نور الإسلام، أن يتأهبوا لاستقبال ضيوف الرحمن المصحوبين ببركات الموسم. كانت البيوت تشرع أبوابها لاستقبال الوافدين، يكاد لا يخلو بيت من حاج وزائر، يأخذ أهل البيت جل أثاثهم للسطح أو الطابق الأعلى، تاركين المساحة لحجاج بيت الله وزوار نبيه  الكريم، ويكرمون نزلهم بضيافات عامرة.  

وكانت القهوة من أهم ما يقدم للزائرين والحجاج، حتى قبل أن تنتشر في شتى الأصقاع والبلاد، بل وكانت هذه إحدى طرق انتشار القهوة في أرجاء العالم.

فقد حكى الحجاج عن انبهارهم بمشروب جديد تعرفوا عليه في رحلة الحج، وباتوا يأخذون بشيء من القهوة إلى أهليهم وديارهم، ولما فطن التجار لسرعة انتشارها وما نالته من استحسان عند الغالبية؛ أخذوا يبادرون إلى الاتجار بها، فإذا بها تدخل بلادًا جديدة بعد كل موسم حج، مصر والشام والمغرب وغيرها… فشاع شربها في بلاد المسلمين، وفي أوروبا كذلك تبعًا للرحلات الاستشراقية، حيث كان رحالتهم يفدون مع الحجاج إلى البلاد المشرفة، وينقلون الأخبار والبضائع إلى بلدانهم.

حتى وصفها أحد الرحالة بأنها من نعم الله على أهل الحرمين، لأن الناس يقدمون عليهم من الآفاق، ولا بد من قرى يقدم إليهم. وهم أهل كرم وإن لم يكونوا أهل مال، ولا قدرة لهم على التكلف، والقهوة من أطيب ما يقدم للزوار، فأصبحت لازمة حتى صارت رمزًا للضيافة العربية.

وفي هذا الموسم يخرج غالبية الرجال للحج، حجاجًا وقائمين بخدمة الحجيج، تجدهم بين مرشد ومطوِّف، ومعلم ومضيِّف، فينقضي الموسم بصلات وثيقة نشأت بين أهل المشرق والمغرب، بسلاسل وصل يوثقها أهل الحرمين، حتى غدا ذكرهم شائعًا في القصائد والكتب، والحكايات الشعبية المتوارثة في الحضارات المختلفة.

يقول الشاعر في وصفهم:

وهاج شوق في الفؤاد نامي *** لجيرة الركنين والمقـامِ

وفتية البطحاء والخيامِ *** أهيل سفح المنحنى والضالِ

أكرِم بهم في أكرَم الأوصافِ *** وألطف الأخلاق والأكنافِ

قد شَرَّفوا مناقب الأشرافِ *** وقد حلوا في أكمل الأحوالِ

ترك الرد

عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك لن يتم نشره. الحقول المطلوبة يجعل.